أظهرت نتائج رسمية إعادة انتخاب رئيس جيبوتي إسماعيل عمر جيله لولاية رئاسية سادسة تمتد لخمس سنوات، بعدما حصد 97.8% من أصوات الناخبين في الانتخابات التي جرت أمس الجمعة، وسط مقاطعة واسعة من أحزاب المعارضة التي اعتبرت الاقتراع محسومًا سلفًا، وفق مراقبين.
ووفقًا للأرقام التي أعلنتها وزارة الداخلية الجيبوتية، حصل منافسه الوحيد المرشح محمد فارح سمتر، الذي لا يحظى حزبه (الوسط الديمقراطي الموحد) بتمثيل في البرلمان، على 2.2% فقط من الأصوات، في سباق انتخابي اقتصر على مرشحين اثنين بعد استبعاد أو مقاطعة معظم القوى المعارضة.
عملية الاقتراع
انطلقت عملية التصويت صباح الجمعة في الانتخابات الرئاسية التاسعة في تاريخ جيبوتي منذ الاستقلال، حيث دُعي نحو 256 ألف ناخب للإدلاء بأصواتهم من إجمالي عدد السكان البالغ نحو 1.2 مليون نسمة.
وأجريت الانتخابات عبر 712 مركز اقتراع موزعة على أنحاء البلاد، بينها أكثر من 160 ألف ناخب في العاصمة جيبوتي.
كما أعلنت وزارة الخارجية نشر 67 مراقبًا دوليًا لمتابعة سير العملية الانتخابية، يمثلون الاتحاد الأفريقي، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيغاد)، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي.
وجاءت عملية التصويت في أجواء هادئة، مع توقعات مبكرة بفوز الرئيس الحالي، في ظل غياب منافسة حقيقية، ومقاطعة تحالفات المعارضة الرئيسية التي لم تقدم مرشحًا منافسًا، وفق مراقبين.
تعديل دستوري يفتح الطريق لولاية سادسة
كان إسماعيل عمر جيله، البالغ من العمر 78 عامًا، غير مؤهل في الأصل لخوض الانتخابات بسبب بلوغه الحد الأقصى للسن المحدد سابقًا بـ75 عامًا، إلا أن البرلمان الجيبوتي أقر تعديلاً دستوريًا في أكتوبر 2025 ألغى هذا القيد.
وفي 26 أكتوبر 2025، صوت أعضاء البرلمان البالغ عددهم 65 عضوًا بالإجماع لصالح مشروع قانون يلغي الحد الأقصى لسن الترشح للرئاسة، قبل أن تتم المصادقة النهائية على التعديل في 2 نوفمبر من العام نفسه.
ودافع رئيس الجمعية الوطنية عن الخطوة، مؤكدًا أنها ضرورية للحفاظ على الاستقرار السياسي، في حين انتقدت منظمات حقوقية، بينها الرابطة الجيبوتية لحقوق الإنسان، التعديل معتبرة أنه يمهد الطريق لبقاء الرئيس في السلطة لفترة غير محدودة.
وفي 8 نوفمبر 2025، أعلن جيله رسميًا ترشحه لولاية سادسة، ليبدأ الاستعداد لانتخابات جديدة تعزز بقاءه في الحكم الذي يتولاه منذ عام 1999.
مرشحان فقط في السباق الرئاسي
فتحت وزارة الداخلية باب الترشح للانتخابات بين 2 و11 مارس الماضي، حيث تقدم جيله بترشحه عن ائتلاف الاتحاد من أجل الأغلبية الرئاسية، الذي يضم الحزب الحاكم “التجمع الشعبي من أجل التقدم”.
وفي 10 مارس ، تقدم محمد فرح سمتر، مرشح حزب الوسط الديمقراطي الموحد، بملف ترشحه، ليصبح المنافس الوحيد للرئيس الحالي. وكان سمتر عضوًا سابقًا في الحزب الحاكم، ويُعد شخصية سياسية محدودة الحضور مقارنة بجيله، حسب تقارير.
وصادق المجلس الدستوري على المرشحين في 12 مارس، قبل أن تؤكد وزارة الداخلية في 18 مارس أن ورقة الاقتراع ستقتصر على المرشحين الاثنين فقط، في ظل مقاطعة تحالفات المعارضة الرئيسية وعدم تقدم مرشحين آخرين.
الحملة الانتخابية وبرامج المرشحين
انطلقت الحملة الانتخابية رسميًا في 27 مارس، حيث بدأ محمد فرح حملته تحت شعار “جيبوتي أخرى ممكنة”، مركزًا خلال حملته على مكافحة الفساد، وتقليص الإنفاق الحكومي غير الضروري، وزيادة الإنفاق الاجتماعي، إلى جانب الدعوة إلى تجديد الحياة السياسية وتعزيز مشاركة المواطنين في صنع القرار.
في المقابل، بدأ الرئيس إسماعيل عمر جيله حملته الانتخابية في اليوم نفسه بتجمع جماهيري، وطرح جيله خلال حملته مجموعة من الأولويات، أبرزها تسريع النمو الاقتصادي، وتوسيع فرص العمل، وتحسين الخدمات العامة، وتطوير البنية التحتية، مع التأكيد على الحفاظ على الاستقرار السياسي والأمني في البلاد.
نظام الانتخابات الرئاسية في جيبوتي
يُنتخب رئيس جيبوتي وفق نظام من جولتين لمدة خمس سنوات، حيث يفوز المرشح الذي يحصل على الأغلبية المطلقة من الأصوات في الجولة الأولى. وإذا لم يتحقق ذلك، تُجرى جولة ثانية بين المرشحين الحاصلين على أعلى الأصوات.
ويشترط للترشح للرئاسة أن يكون المرشح جيبوتي الجنسية حصرًا، وأن يتمتع بحقوقه المدنية والسياسية، وألا يقل عمره عن 40 عامًا، وأن يكون قد أقام في البلاد إقامة متواصلة لمدة خمس سنوات.
جيله في السلطة منذ أكثر من ربع قرن
يتولى إسماعيل عمر جيله رئاسة جيبوتي منذ عام 1999، بعدما خلف عمه الرئيس السابق حسن جوليد أبتيدون. ومنذ ذلك الحين، فاز جيله في جميع الانتخابات الرئاسية التي خاضها، بينها انتخابات 2021 التي حصل فيها على أكثر من 97% من الأصوات.
ويعد جيله أحد أطول القادة بقاءً في الحكم في أفريقيا، إذ يؤكد أنصاره أنه نجح في الحفاظ على الاستقرار السياسي وتحقيق نمو اقتصادي نسبي في بلد يتمتع بموقع استراتيجي مهم على مضيق باب المندب.
في المقابل، تتهم منظمات حقوقية ومعارضون الرئيس الجيبوتي بتقييد المعارضة السياسية والحد من حرية الصحافة، وهو ما تنفيه السلطات، مؤكدة أن الانتخابات جرت وفق الأطر القانونية والدستورية.
الاتحاد الإفريقي يهنئ جيله
هنأ محمود علي يوسف، رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي، الرئيس إسماعيل عمر جيله بمناسبة إعادة انتخابه لولاية رئاسية جديدة، مشيرًا إلى أخذه علمًا بالنتائج الرسمية التي أعلنتها اللجنة الانتخابية الوطنية المستقلة في جيبوتي.
كما أشاد بمشاركة الشعب الجيبوتي السلمية في العملية الانتخابية، معتبرًا ذلك في بيان، دليلا على الالتزام بالحكم الديمقراطي وتعزيز التماسك الوطني والاستقرار.
وأكد رئيس المفوضية أهمية الدور الذي تضطلع به جيبوتي في دعم السلام والأمن والتعاون الإقليمي في منطقة القرن الأفريقي، مجددًا التزام الاتحاد الأفريقي بالعمل مع الدول الأعضاء لتحقيق أهداف أجندة 2063.
كما أثنى على بعثة مراقبة الانتخابات التابعة للاتحاد الأفريقي وقيادتها، متمنيًا للرئيس جيله التوفيق والنجاح خلال ولايته الجديدة.
أهمية جيبوتي الاستراتيجية
تتمتع جيبوتي بموقع استراتيجي بالغ الأهمية عند مدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب، ما جعلها مركزًا عسكريًا وبحريًا دوليًا. وتستضيف البلاد قواعد عسكرية لعدد من الدول، بينها الولايات المتحدة وفرنسا، إضافة إلى وجود عسكري لكل من الصين واليابان وإيطاليا.
ويُنظر إلى هذا الموقع باعتباره أحد العوامل التي تعزز أهمية الاستقرار السياسي في البلاد، وهو ما يستند إليه أنصار الرئيس جيله في الدفاع عن استمرار قيادته، بينما ترى المعارضة أن الإصلاح السياسي وتوسيع المشاركة الديمقراطية ضروريان لمستقبل البلاد.

