المركز الأفريقي للاستشارات African Center for Consultancy

تقارير

أبعاد وحدود العرض الصيني بإلغاء الرسوم الجمركية على إفريقيا

14/05/2026
أبعاد وحدود العرض الصيني بإلغاء الرسوم الجمركية على إفريقيا

تقرير صادر عن Studies Security for Institute

رغم الترحيب الواسع الذي قوبل به قرار الصين منح جميع الدول الإفريقية – باستثناء إسواتيني التي لا تربطها بها علاقات دبلوماسية – وصولاً معفى من الرسوم الجمركية إلى السوق الصينية اعتبارًا من الأول من مايو، فإن هذا القرار قد لا يمثل التحول الاقتصادي الجذري الذي تتطلع إليه القارة.

ويأتي القرار في وقت يشهد فيه النظام التجاري العالمي تصاعدًا في النزعات الحمائية وتفككًا متزايدًا في سلاسل التجارة الدولية، ما منح الخطوة الصينية بُعدًا سياسيًا واستراتيجيًا يتجاوز آثارها الاقتصادية المباشرة.

وعلى خلاف الولايات المتحدة، التي استخدمت الرسوم الجمركية في السنوات الأخيرة كأداة للضغط وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، تحاول بكين تقديم نفسها كشريك تجاري مستقر ويمكن التنبؤ بسياساته. وهذا التمايز يحمل أهمية خاصة بالنسبة للدول الإفريقية التي واجهت صعوبات في التكيف مع سياسات الرسوم الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب.

لكن، ورغم الزخم السياسي والإعلامي المصاحب للإعلان، فإن التأثير الفوري للقرار على التجارة الإفريقية مع الصين قد يكون محدودًا. فحوالي 70% من الصادرات الإفريقية إلى السوق الصينية كانت تدخل بالفعل دون رسوم جمركية حتى قبل تطبيق القرار الجديد، خاصة الصادرات القادمة من الدول الأقل نموًا والتي تعتمد بشكل أساسي على المواد الخام.

وتشير تقديرات حديثة، خاصة فيما يتعلق بـ جنوب إفريقيا، إلى أن المكاسب المتوقعة قد لا تتجاوز 1.3% من حجم التجارة الحالية، وهي مكاسب يُرجح أن تنتج عن تحويل مسارات التجارة أكثر من خلق طلب جديد داخل السوق الصينية.

ويرى مراقبون أن أهمية الخطوة الصينية تكمن أساسًا في رسائلها الجيوسياسية، إذ تمنح بكين فرصة لتعزيز صورتها كشريك اقتصادي مفضل للقارة الإفريقية مقارنة بما يُنظر إليه على أنه سلوك أمريكي متقلب وضاغط.

ومن غير المتوقع أن يؤدي القرار إلى تغيير جذري في خريطة الرابحين والخاسرين داخل إفريقيا، بل قد يعزز الأنماط التجارية القائمة أصلًا. فالدول الكبرى المصدرة إلى الصين، مثل أنغولا في النفط، وجمهورية الكونغو الديمقراطية في النحاس والكوبالت، وزامبيا في النحاس، إضافة إلى جنوب إفريقيا في المعادن والمنتجات الزراعية، تتمتع أصلًا بعلاقات راسخة داخل سلاسل الإمداد الصينية.

في المقابل، قد تظهر فرص أكبر في القطاعات الزراعية الحساسة للأسعار، حيث يمكن لمنتجات مثل السمسم والقهوة والأفوكادو أن تستفيد من إزالة الرسوم الجمركية في أسواق شديدة التنافسية. وقد يفتح ذلك المجال أمام دول مثل إثيوبيا وكينيا لتعزيز صادراتها الزراعية.

غير أن خبراء التجارة يشددون على أن الإعفاءات الجمركية وحدها ليست كافية لتحقيق تحول اقتصادي حقيقي، إذ ستظل معايير الصحة النباتية والقيود الفنية على التجارة عوامل حاسمة في تحديد قدرة المنتجات الإفريقية على دخول السوق الصينية.

وتبقى المشكلة الهيكلية الأعمق دون تغيير، إذ ما تزال التجارة بين إفريقيا والصين قائمة بصورة أساسية على تصدير المواد الخام مقابل استيراد السلع المصنعة. وبالتالي، فإن الوصول المعفى من الرسوم لا يعالج تلقائيًا اختلال الميزان التجاري أو ضعف التصنيع المحلي.

ويؤكد خبراء اقتصاديون أن تحقيق استفادة حقيقية يتطلب استثمارات موازية في البنية التحتية، والتصنيع، ورأس المال البشري، إلى جانب تنسيق أكبر بين الدول الإفريقية نفسها في التفاوض مع الصين حول قضايا الاستثمار وسلاسل القيمة والتمويل.

وقال ديفيد لوك إن منح الدول الإفريقية وصولًا غير متبادل ومعفى من الرسوم “منطقي” في ظل الفجوة الاقتصادية الكبيرة بين الصين وإفريقيا، لكنه شدد على ضرورة أن يترافق ذلك مع استثمارات صينية في قطاعات الإنتاج والتصنيع والزراعة لتحقيق آثار تحويلية حقيقية.

ومن منظور بكين، يخدم القرار عدة أهداف استراتيجية، أبرزها تعزيز موقع الصين كشريك اقتصادي رئيسي لإفريقيا، وتأمين الوصول طويل الأمد إلى المعادن الحيوية مثل الكوبالت والليثيوم والنحاس، إضافة إلى توسيع فرص الشركات الصينية في مجالات البنية التحتية والخدمات اللوجستية والتصنيع ضمن إطار مبادرة الحزام والطريق.

لكن هذا التوسع في الترابط الاقتصادي يثير تساؤلات مهمة داخل إفريقيا حول طبيعة هذه العلاقة وحدودها، وما إذا كانت ستقود فعلًا إلى تنويع الاقتصاد الإفريقي أم إلى ترسيخ دوره كمصدر للمواد الخام فقط.

وفي النهاية، يرى التقرير أن الإعفاءات الجمركية ليست “رصاصة سحرية”، بل مجرد فرصة قد تبقى محدودة الأثر ما لم تقترن بإصلاحات واستراتيجيات إفريقية طموحة تهدف إلى التصنيع، وتنويع الصادرات، وتعزيز التكامل الاقتصادي الإقليمي.