المركز الأفريقي للاستشارات African Center for Consultancy

تقدير موقف

توتر الحدود ومسارات البحر الأحمر: قراءة في المشهد الإثيوبي–الإريتري

23/02/2026
توتر الحدود ومسارات البحر الأحمر: قراءة في المشهد الإثيوبي–الإريتري

إعداد: المركز الإفريقي للاستشارات – فبراير 2026

 

أولاً: ملخص تنفيذي

تشهد العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا تصعيداً عسكرياً غير مسبوق منذ توقيع اتفاق السلام في 2018، مع تقارير عن حشود متبادلة ، وتصاعد الخطاب السياسي الإثيوبي بشأن “الضرورة الوجودية” للحصول على منفذ بحري.

يأتي هذا التصعيد في سياق هشاشة داخلية إثيوبية متنامية (أوروما، أمهرة، التيغراي)، وتوازنات إقليمية معقدة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي، واحتمالات انخراط أطراف إقليمية داعمة لكل من أديس أبابا وأسمرة.

يقدّر هذا التقرير أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية مباشرة خلال الأشهر الستة المقبلة قائم بدرجة متوسطة إلى مرتفعة، لكنه يظل مرهوناً بحجم الضغوط الدولية والإقليمية، وقدرة الوسطاء في المستوى الإقليمي والدولي على فرض مسار تفاوضي يمنع الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.

 

ثانياً: خلفية تاريخية مختصرة

استقلت إريتريا عن إثيوبيا عام 1993 بعد حرب تحرير طويلة، لكن النزاع الحدودي بين البلدين (1998–2000) أسفر عن عشرات الآلاف من القتلى، وظل التوتر قائماً حتى توقيع اتفاق سلام تاريخي عام 2018 بين رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد والرئيس الإريتري أسياس أفورقي.

غير أن حرب التيجراي (2020–2022) أعادت عسكرة العلاقة، حيث تدخلت القوات الإريترية دعماً للحكومة الفيدرالية الإثيوبية ضد جبهة تحرير شعب تيغراي، ما أوجد تحالفاً تكتيكياً مؤقتاً بين أديس أبابا وأسمرة. لكن نهاية الحرب لم تؤسس لتسوية استراتيجية شاملة، بل فتحت الباب لتناقضات جديدة، أبرزها:

  • استمرار وجود قوات إريترية داخل أجزاء من التيغراي.
  • استبعاد أسمرة من ترتيبات ما بعد الحرب.
  • عودة الخطاب الإثيوبي حول “المنفذ البحري السيادي”.

 

ثالثاً: محددات التصعيد الراهن

  1. معضلة المنفذ البحري

فقدت إثيوبيا منفذها البحري بعد استقلال إريتريا، وأصبحت تعتمد على موانئ جيبوتي بنسبة تفوق 90%. وقد صعّد آبي أحمد منذ 2023 من خطاب “الضرورة الوجودية” للوصول إلى البحر الأحمر، مع تلميحات متكررة إلى ميناء عصب الإريتري.

هذا الطرح يكتسب زخماً شعبياً داخلياً، ويُستخدم كأداة تعبئة وطنية مشابهة للتعبئة حول سد النهضة، لكنه يمثل تهديداً مباشراً للسيادة الإريترية، ويقوّض أسس القانون الدولي.

  1. الاتهامات المتبادلة بدعم التمرد
  • تتهم أديس أبابا أسمرة بدعم حركات مسلحة في أمهرة وأوروما.
  • ترى إريتريا أن إثيوبيا تسعى لإعادة هندسة ميزان القوى في القرن الإفريقي على حساب سيادة الدول الصغيرة.
  1. البعد الإقليمي

أي مواجهة لن تبقى ثنائية، بل ستتداخل مع:

  • الأزمة السودانية وتوازناتها.
  • التوترات في البحر الأحمر.
  • ترتيبات النفوذ في الصومال وأرض الصومال.
  • أدوار قوى إقليمية كتركيا والسعودية والإمارات.

 

رابعاً: الحسابات الاستراتيجية للطرفين

أولاً: حسابات آبي أحمد

  1. توحيد الجبهة الداخلية:
    استخدام ملف المنفذ البحري لتجاوز الانقسامات العرقية والسياسية.
  2. إعادة تعريف الشرعية:
    ربط بقاء النظام بتحقيق “اختراق تاريخي” في ملف البحر الأحمر.
  3. مخاطر اقتصادية جسيمة:
    حرب التيجراي كلّفت الاقتصاد الإثيوبي أكثر من 28 مليار دولار، وأضعفت مسار إعادة هيكلة الديون. أي حرب جديدة ستعرقل جهود التعافي.
  4. رهان على دعم إقليمي:
    تعوّل أديس أبابا على شبكة تحالفات عسكرية واقتصادية توفر لها دعماً لوجستياً واستخباراتياً.

ثانياً: حسابات أسياس أفورقي

  1. أولوية البقاء والسيادة:
    تعتبر أسمرة أي تنازل بحري سابقة تهدد استقلالها ذاته.
  2. توازن الردع:
    إبقاء الجبهة مشتعلة على حدود التيجراي للضغط على أديس أبابا.
  3. تحالفات مضادة:
    تعزيز العلاقات مع قوى إقليمية قلقة من صعود النفوذ الإثيوبي.

 

خامساً: سيناريوهات الأشهر المقبلة

السيناريو الأول: تصعيد محسوب

  • استمرار الحشود العسكرية.
  • اشتباكات حدودية محدودة.
  • وساطات إقليمية نشطة.
  • تجنب حرب شاملة.

السيناريو الثاني: حرب محدودة متعددة الجبهات

  • اندلاع مواجهات مباشرة على الحدود.
  • انخراط التيجراي وأمهرة.
  • تدخل لوجستي من أطراف إقليمية.
  • اضطراب في البحر الأحمر.

السيناريو الثالث: حرب إقليمية مفتوحة

  • انخراط أطراف خارجية بشكل مباشر.
  • إغلاق ممرات بحرية.
  • انهيار مسار إعادة هيكلة الديون الإثيوبية.
  • موجة نزوح إقليمية واسعة.

السيناريو الرابع: اختراق دبلوماسي مفاجئ

  • اتفاق مرحلي حول انسحاب القوات من التيجراي.
  • تفاهم اقتصادي حول استخدام موانئ دون مساس بالسيادة.
  • آلية رقابة دولية مشتركة.

 

سادساً: التداعيات المحتملة

  1. على السودان

تداخل مباشر مع مسار الحرب هناك، واحتمال استخدام الساحة السودانية كورقة ضغط متبادلة.

  1. على البحر الأحمر

تصاعد عسكرة الممرات البحرية، وتهديد أمن الطاقة والتجارة العالمية.

  1. على الاتحاد الإفريقي

اختبار جدي لفاعلية آليات منع النزاعات، في ظل اتهامات بالعجز المؤسسي.

  1. إنسانياً

مخاطر نزوح جديدة ، وانهيار إضافي في الخدمات الأساسية.

 

سابعاً: مؤشرات الإنذار المبكر

ينبغي مراقبة:

  • تحركات غير اعتيادية في قاعدة عصب.
  • خطاب تعبوي داخلي مكثف في أديس أبابا.
  • تحركات لوجستية من قوى إقليمية نحو القرن الإفريقي.
  • تعليق أو تجميد مفاوضات إعادة هيكلة الديون الإثيوبية.

 

ثامناً: توصيات  

  1. الدفع نحو آلية مراقبة دولية مشتركة لانسحاب القوات من نقاط التماس وخفض التصعيد العسكري .
  2. فصل ملف المنفذ البحري عن المسار العسكري، وتحويله إلى إطار اقتصادي تعاوني طويل الأجل.
  3. إطلاق مبادرة بحر أحمر إقليمية لضبط الممرات.
  4. تعزيز المسار الإنساني العاجل عبر ممرات مراقبة دولياً.
  5. منع تدويل الصراع عسكرياً وانخراط اطراف اقليمية ودولية في الصراع .

 

خاتمة

تقف المنطقة على حافة منعطف استراتيجي خطير. فحرب جديدة بين إثيوبيا وإريتريا لن تكون تكراراً لصراع حدودي تقليدي، بل قد تتحول إلى حرب إقليمية مركبة تتقاطع فيها أزمات البحر الأحمر والسودان والصومال، وتعيد رسم توازنات القرن الإفريقي لسنوات قادمة.

يبقى احتمال الاحتواء قائماً، لكنه يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات التكتيكية قصيرة المدى. وفي ظل نمط الخطاب المتناقض والتصعيد المحسوب، يبدو أن الأشهر المقبلة ستكون اختباراً حقيقياً لقدرة الإقليم على تجنب حرب لا يملك ترف خوضها.