نقلاً عن:
معهد الدراسات الأمنية (ISS Africa)
في مارس الماضي، فرضت الولايات المتحدة عقوبات على مسؤولين في الجيش الرواندي وعلى قوات الدفاع الرواندية، على خلفية استمرار دعم رواندا لحركة “23 مارس” في جمهورية الكونغو الديمقراطية، في سياق ما بات يعرف بصفقات “المعادن مقابل الأمن”.
وشمل ذلك هجومًا في ديسمبر 2025 على مدينة أوفيرا، في انتهاك لاتفاقات واشنطن التي توسطت فيها الولايات المتحدة.
وحسب تقرير حديث لمعهد الدراسات الأمنية (ISS Africa)، أعادت هذه الاتفاقات تأكيد اتفاق سابق، وطرحت إطارًا للتكامل الاقتصادي الإقليمي بين الكونغو الديمقراطية ورواندا، يهدف إلى تعزيز الاستقرار عبر التنمية المشتركة. غير أن تنفيذها يعتمد على تحقيق تقدم في عدة مجالات، من بينها الأمن.
في الوقت نفسه، عمّقت واشنطن تقاربها مع كينشاسا ضمن سياستها الخارجية “أمريكا أولاً”. وإلى جانب الاتفاقات الثنائية الأخيرة المتعلقة بالترحيل والصحة، بدأ البلدان تنفيذ “اتفاقية الشراكة الاستراتيجية”.
وتمنح صفقات “المعادن مقابل الأمن” الشركات الأمريكية وصولاً تفضيليًا إلى المعادن الحيوية، مقابل توسيع التعاون الأمني والدفاعي.
صفقة المعادن مقابل الأمن
تشكل هذه المبادرات مجتمعة صفقة “معادن مقابل أمن”: إتاحة الوصول إلى الثروات المعدنية الهائلة للكونغو مقابل دعم أمريكي لتحقيق الاستقرار في شرق البلاد المضطرب.
وقد نشأت فكرة “المعادن مقابل الأمن” من مقترح قدمه الرئيس فيليكس تشيسيكيدي في فبراير 2025، عرض فيه إتاحة الموارد مقابل دعم أمني أمريكي، مع هدف إضافي يتمثل في الحد من تدفقات المعادن غير المشروعة إلى الدول المجاورة.
وتقوم الصفقة الأمريكية-الكونغولية “المعادن مقابل الأمن” على مبادلة الوصول إلى المعادن بالدعم الأمني، لكنها تقدم ضمانات صريحة محدودة للغاية.
وتكمن المشكلة في اختلال التوازن البنيوي لصفقة “المعادن مقابل الأمن”. فهي مدفوعة باعتبارات أمنية أو استقرارية قصيرة الأجل، وتميل إلى ربط الدول الهشة بعلاقات تبعية غير متكافئة تُضعف سيادتها على مواردها الطبيعية وتحدّ من استقلاليتها.
وتفرض اتفاقية الشراكة الاستراتيجية التزامات ملموسة على الكونغو، مثل شروط مالية تفضيلية طويلة الأجل، وإصلاحات تنظيمية، ومنح وصول مميز للشركات الأمريكية، مقابل ضمانات أمنية محدودة.
كما أن زيادة الاستثمار وحدها لن تحل مشكلة عدم الاستقرار في الشرق. فكينشاسا تراهن على أن تعميق المصالح الاقتصادية الأمريكية في البلاد سيُسهم في ردع الاعتداءات الخارجية.
غير أن هذا الافتراض هش؛ فاستثمارات التعدين طويلة الأجل، بما في ذلك في شرق الكونغو، لا يضمنها انسحاب المتمردين وحده، وقد تواجه مقاومة محلية وطعونًا قانونية.
تعقيدات الصراع المسلح
في المقابل، أبدى تحالف نهر الكونغو/حركة “23 مارس” عزمه على البقاء مسيطرًا، فيما تربط رواندا أي انسحاب بتحييد “القوات الديمقراطية لتحرير رواندا”.
وهذه الشروط جزء من اتفاق السلام بوساطة أمريكية، لكنها على الأرجح لن تتحقق قريبًا. كما أن صفقات الموارد المبرمة في ظل النزاعات تُرسّخ الهشاشة التي تدّعي معالجتها.
وبما أن معظم مواقع الاستثمار المستهدفة تقع في أقاليم أخرى، يمكن تنفيذ جزء كبير من اتفاقية الشراكة الأمريكية-الكونغولية تحديدًا صفقات “المعادن مقابل الأمن” حتى مع استمرار الجمود في النزاع.
إضافة إلى ذلك، ونظرًا لحجم تهريب المعادن إلى الدول المجاورة، قد تختار الشركات الأمريكية الوصول إلى المعادن الكونغولية بشكل غير مباشر عبر شراكات مع شركات رواندية في شرق البلاد.
وحتى إذا ساهمت صفقة “المعادن مقابل الأمن” والضغوط الأمريكية في تعزيز الردع ضد “23 مارس” ورواندا، فإن دور هذه المقايضة في معالجة الأسباب الهيكلية للصراع يبقى غير واضح.
وهذه الترتيبات، المرتبطة بضعف المؤسسات، لا يُرجّح أن تعالج هذه الأسباب، بل قد تُكرّسها ضمن السياق السياسي القائم.
الانفتاح الخارجي
وتعكس هذه الترتيبات ما يُعرف باستراتيجيات “الانفتاح الخارجي” وصفقات “المعادن مقابل الأمن”، حيث تلجأ النخب إلى بناء علاقات تبعية خارجية واستغلالها لضمان بقائها الداخلي.
وقد تكون هذه التبعيات مفيدة سياسيًا، إذ تعوّض ضعف الشرعية أو الموارد، وتخفف من المساءلة الداخلية. لكنها مكلفة، لأنها تقوّض الشرعية الديمقراطية القائمة على الداخل عبر تفضيل الريوع الخارجية.
وفي الكونغو، تمتد هذه الديناميات إلى جذور تاريخية عميقة. فقد أدى الاندماج القسري في الهياكل الاستعمارية إلى اقتصاد يعتمد على الأسواق الخارجية وتصدير المواد الخام.
وأنتج هذا الاقتصاد موارد ريعية مكّنت موبوتو سيسي سيكو (1971–1997) من تحويل زائير إلى دولة ريعية تعتمد على عائدات تدفعها الشركات الأجنبية.
وخلال الحرب الباردة، استغل موبوتو الطلب الغربي على المعادن الكونغولية، محولًا عائداتها إلى أدوات سياسية داخلية تُشترى بها الولاءات.
لكن مع الضغوط الاقتصادية العالمية في السبعينيات، تحولت هذه السياسة تدريجيًا إلى الداخل.
ومع سياسات التكيف الهيكلي والتحرير الاقتصادي، انسحبت الدولة من تنظيم الاقتصاد، وأصبحت الولاءات السياسية تُشترى عبر فرص تمويل ذاتي خارج المركز السياسي.
وأدى تفكك الدولة إلى توسع الاقتصاد غير المنظم وظهور مصادر بديلة للسلطة. ففي شرق زائير، نشأت شبكات تهريب واسعة خلقت شكلاً من التكامل الإقليمي غير الرسمي، تقوده نخب محلية ضعيفة الارتباط بالمركز السياسي وتستفيد من التجارة عبر الحدود.
وقد ساهمت هذه الديناميات، إلى جانب تداعيات الإبادة الجماعية عام 1994 في رواندا، في نشوء اقتصاد حرب قائم على الانفتاح الخارجي خلال التسعينيات وبداية الألفية.
حيث أعيد توجيه عائدات المعادن نحو الداعمين المتمردين في أوغندا ورواندا. ولم يكن النهب وحده المحرك، بل أيضًا شبكات الحماية التي تربط القوات المسلحة بشبكات التجارة.
وأنهت اتفاقات السلام الرسمية النزاع واسع النطاق، لكنها أبقت على هذا الاقتصاد السياسي. وفي عهد جوزيف كابيلا، استمرت الحكومة في الاعتماد على الموارد الخارجية، مثل مساعدات المانحين وامتيازات التعدين، لتمويل شبكات الزبائنية والحفاظ على السيطرة السياسية.
كما اعتمدت الجماعات المسلحة على الدعم الخارجي كورقة تفاوض، وغالبًا ما عززت جهود بناء الدولة الممولة دوليًا هذه الديناميات بدلًا من تغييرها.
إرث تشيسيكيدي السياسي
وقد أوصل هذا الإرث السياسي تشيسيكيدي إلى السلطة عبر ترتيب تقاسم سلطة غير مباشر. ولا تزال اتهامات الفساد والاستحواذ النخبوي على عائدات التعدين واسعة الانتشار.
فيما توسعت شبكات السلطة الموازية، وتصاعد القمع السياسي، وتزايدت المخاوف من تعديل دستوري يسمح بولاية رئاسية ثالثة.
وتحمل الشراكة الجديدة بين الولايات المتحدة والكونغو خطر تعزيز هذه الاتجاهات، عبر توفير ريوع ودعم خارجي جديدين لهذه الطموحات السياسية، خاصة في ظل تخلي واشنطن عن أي ادعاء بدعم الديمقراطية أو إصلاح الدولة ضمن سياستها الخارجية ذات الطابع التبادلي والاستخراجي.
إن تعزيز قوة الكونغو وإعادة توازن القوى في مواجهة تمرد “23 مارس” ورواندا قد يكون شرطًا ضروريًا للسلام.
لكن كسر دوامات العنف والعدوان يتطلب سيادة قائمة على شرعية داخلية، لا دعمًا خارجيًا، بما يتيح إصلاحات حقيقية وحوارًا حول الأسباب البنيوية للصراع.

