المركز الأفريقي للاستشارات African Center for Consultancy

تقارير

أفريقيا في 2026: هل يواصل عملاقا القارة، نيجيريا وجنوب إفريقيا، دفع عجلة النمو؟

03/01/2026
أفريقيا في 2026: هل يواصل عملاقا القارة، نيجيريا وجنوب إفريقيا، دفع عجلة النمو؟

نقلا عن افريكا ريبورت

تدخل إفريقيا عام 2026 فيما تتجه الأنظار إلى أكبر اقتصادين في القارة: نيجيريا وجنوب إفريقيا. فكلاهما خرج جزئياً من سنوات الركود والتعثر، غير أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في بدء التعافي، بل في القدرة على ترسيخه ومنع الارتداد إلى أنماط مألوفة من التقدم المؤقت يعقبه الجمود.

على مدى عقد كامل، بدت نيجيريا وجنوب إفريقيا وكأنهما عالقتان في حلقة مفرغة. نيجيريا امتلكت النفط والكتلة السكانية، لكنها عانت نقص العملات الصعبة وضعف البنية التحتية وانعدام الثقة في السياسات. أما جنوب إفريقيا، فرغم أسواقها المالية المتقدمة، فقد عانت نمواً هزيلاً وأزمة كهرباء مزمنة. في عام 2025، بدأ المشهد يتغير، لتتحول الدولتان من نموذجين للتحذير إلى تجربتين قيد التشكل، وهو تحول رصدته وكالات التصنيف الائتماني والمستثمرون على حد سواء. غير أن السؤال الجوهري يبقى: هل يصمد هذا الزخم أمام الضغوط السياسية والمصالح الراسخة والصدمات الخارجية؟

 

نيجيريا: إصلاحات مكلفة ومسار هش

في أبوجا، لطالما اقترنت كلمة “إصلاح” بالخطاب أكثر من التنفيذ. إلا أن هذا الواقع بدأ يتغير منذ 2023، عندما شرعت حكومة الرئيس بولا تينوبو في قرارات جذرية، أبرزها رفع دعم الوقود وتفكيك نظام سعر الصرف الذي كرّس الريع والاختلالات.

بحلول منتصف 2025، بدأت نتائج هذه السياسات تظهر بوضوح. فقد أشاد صندوق النقد الدولي بإلغاء الدعم ووقف التمويل النقدي للعجز وتحسين عمل سوق الصرف، لكنه في المقابل حذّر من أن ثمار الإصلاح لم تنعكس بعد على حياة غالبية المواطنين، في ظل استمرار ارتفاع معدلات الفقر وانعدام الأمن الغذائي.

ورغم الكلفة الاجتماعية المرتفعة، يواصل الرئيس تينوبو الدفاع عن مساره الإصلاحي، مؤكداً أن الاقتصاد يسير في الاتجاه الصحيح. وتدعمه في ذلك الأسواق ووكالات التصنيف، التي رفعت أو حسّنت نظرتها للاقتصاد النيجيري، في إشارة إلى تزايد الثقة بمصداقية السياسات الاقتصادية.

لكن التعافي النيجيري لا يزال هشاً. فارتفاع أسعار الوقود وتراجع قيمة العملة انعكسا مباشرة على تكاليف المعيشة، ما غذّى استياءً اجتماعياً متصاعداً. ومع اقتراب الانتخابات الرئاسية في 2027، يظل خطر التراجع عن بعض الإصلاحات قائماً، سواء عبر عودة جزئية للدعم أو فرض قيود غير معلنة على السوق. كما يبقى الاقتصاد عرضة لتقلبات أسعار النفط والأوضاع الأمنية، ما يجعل مسار الإصلاح قابلاً للانتكاس في أي لحظة.

ويضيف مشروع مصفاة دانغوتي العملاقة بُعداً جديداً إلى المشهد. فالمصفاة، التي يُعوَّل عليها لتقليص واردات الوقود وتحويل نيجيريا إلى مُصدّر إقليمي، تعزز فرص الاستقلال الطاقي، لكنها في الوقت نفسه تثير تحديات تنظيمية وتوازنات جديدة داخل قطاع النفط، ما يزيد تعقيد إدارة الإصلاح.

 

جنوب إفريقيا: إصلاح البنية لا القواعد

في المقابل، لا تتمحور قصة جنوب إفريقيا حول تغييرات جذرية في السياسات الكلية، بل حول معالجة الاختناقات الهيكلية التي كبحت النمو لسنوات. ويبرز قطاع الكهرباء كأوضح مثال على هذا التحول، إذ تراجعت حدة الانقطاعات التي كانت رمزاً للأزمة الاقتصادية، ما أسهم في تحسين ثقة الأسواق والقطاع الخاص.

تحسّن أداء شركة “إسكوم” وارتفاع جاهزية محطات التوليد أعطيا دفعة معنوية واقتصادية، تُرجمت في تحسن المزاج الاستثماري وعودة بعض الثقة في قدرة الدولة على إدارة الملفات الحيوية. وقد انعكس ذلك في قرار وكالات التصنيف رفع التصنيف السيادي للبلاد لأول مرة منذ سنوات طويلة.

غير أن هذا التحسن يظل محدوداً ما لم يمتد إلى قطاعات أخرى لا تقل أهمية، مثل السكك الحديدية والموانئ والخدمات البلدية، وهي مجالات تتطلب وقتاً أطول وصبراً سياسياً أكبر. وتعمل الحكومة، عبر برامج إصلاح مثل “عملية فولينديلا”، على فتح هذه القطاعات أمام مشاركة القطاع الخاص، أملاً في رفع الكفاءة وتعزيز الإنتاجية.

لكن جنوب إفريقيا تواجه تحدياً سياسياً لا يقل تعقيداً، يتمثل في إدارة حكومة وحدة وطنية واسعة الطيف. فهذه الصيغة قد توفر شرعية أوسع للإصلاحات، لكنها في الوقت نفسه تحمل مخاطر الشلل واتساع دوائر الفيتو السياسي. ومن دون تحفيز استثمارات خاصة واسعة النطاق، سيظل تحسن الكهرباء غير كافٍ لمعالجة البطالة المرتفعة واحتواء النزعات الشعبوية.

 

مفترق طرق في 2026

تكشف المقارنة بين نيجيريا وجنوب إفريقيا مساراً مشتركاً يقوم على استعادة المصداقية وتقليص دور الدولة بوصفها عائقاً أمام النشاط الاقتصادي. غير أن العدو الأكبر لكلا البلدين يبقى “إرهاق الإصلاح”، حين تتلاشى نتائج القرارات الأولى السريعة، لتبرز تحديات أبطأ وأكثر تعقيداً.

يبقى مستقبل نيجيريا مرهوناً بقدرتها على حماية الإصلاحات من الضغوط الاجتماعية والسياسية مع اقتراب انتخابات 2027، فيما يتوقف مستقبل جنوب إفريقيا على قدرة الائتلاف الحاكم على تنفيذ إصلاحات داعمة للنمو من دون أن تغرق في صراعات داخلية معطِّلة.

وفي الحالتين، لا يقتصر الرهان على البلدين وحدهما. فإذا نجحا في تثبيت مسار التعافي، انعكس ذلك إيجاباً على القارة بأكملها. أما إذا تعثرا، فقد تواجه إفريقيا، ولا سيما غربها وجنوبها، خطر إضاعة عقد جديد من الفرص التنموية.